صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

162

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

أقول وكان الشيخ لم يظفر بالبرهان الذي أشرنا اليه في بيان هذا المطلب حيث اكتفى في بيانه بالاستقراء ثم قال إن العقل الفعال يقبل التجلي بغير توسط وهو بادراكه لذاته ( 1 ) ولسائر المعقولات فيه عن ذاته بالفعل والثبات وذلك أن الأشياء التي تتصور المعقولات بلا رؤية ولا استعانه بحس أو تخيل انما تعقل الأمور المتأخرة بالمتقدمة والمعلولات بالعلل والردية بالشريفة ثم يناله النفوس الإلهية بلا توسط أيضا عند النيل ( 2 ) وإن كان بتوسط اعانه العقل الفعال عند الاخراج من القوة إلى الفعل واعطائه القوة على التصور والامساك للمتصور والطمأنينة اليه ثم ينالها القوة الحيوانية ثم النباتية ثم الطبيعية وكل واحده مما يناله يشوقه ما ناله منه إلى التشبه به بغايته فان الاجرام الطبيعية انما يتحرك حركاتها الطبيعية تشبها به في غايتها وهي البقاء على بعض الأحوال أعني عند حصولها في المواضع الطبيعية وان لم تتشبه به في مبادي هذه الغاية وهي حركة وكذلك الجواهر الحيوانية والنباتية انما تفعل أفاعيلها الخاصة بها تشبها به في غاياتها وهو ابقاء نوع أو شخص أو اظهار قوه ومقدره وما ضاهاها وان لم يتشبه به في مبادي هذه الغايات كالجماع وكالتغذي وكذلك النفوس البشرية انما تفعل أفاعيلها العقلية

--> ( 1 ) هذا يحتمل وجهين أحدهما ان يراد الادراك العقل الفعال ذات الحق تعالى وثانيهما ان يراد ادراك العقل نفسه ونفسه تجلى الحق سبحانه ومعقولاته أيضا تجلياته سبحانه وأيضا تعقل نفسه بسبب تعقل علته وعلى الأول ضمير ذاته عائد إلى المتجلي الدال عليه التجلي س قده ( 2 ) وذلك لان تجليه المعقولات والمعقول واحد ولو كان في الف عقل فان الشئ لا يتثنى ولا يتكرر بنفسه ولو تثنى مثلا صار افرادا أو التعدد الافرادي بالمادة ولواحقها فالمعقول كمركز والعقول والنفوس كانصاف أقطار انتهت إلى ذلك المركز فمعقول العقل الفعال ومعقول النفس واحد وان كانت النفس تدركه بإعانة العقل الفعال وإنارته بل هو معقول الحق المتعال ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء س قده .